Anasayfa Anasayfa 3-واجباتُ الجيلِ المنتظر

3-واجباتُ الجيلِ المنتظر

64 dakika ortalama okuma süresi
0
0

الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ ، وجعلَهُ أشرفَ المخلوقات ، ثم دلَّه على الطريقِ ولم يتركْهُ دونَ مرشدٍ ، والصلاةُ و السلامُ على رسولِنا العاملِ ليلاً نهاراً ليُريَ الناسَ طريقَ الهداية ، المُمتحَنِ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ِ ، والسلامُ على جميع أصحابِه ورفاقِ دعوتِه ، وعلى كلِّ عاملٍ في طريقِ الدعوةِ .
في هذا العدد أتمنّى أن أُلخِّصَ الكلامَ عن مهامِ الجيلِ المُنتظَر ووظائفِه ، ليست وظيفةُ الجيلِ المُنتظرِ أنْ يُشكِّلَ حركةً إنسانيةً ، أو حركةً ثقافيةً ، أو حركةَ تنازلاتٍ سياسية ، إنما أن يُشكِّلَ حركةً إسلاميةً . كان على الحركات أن يقوموا بفعّالياتٍ ونشاطاتٍ وتعليمٍ إسلاميٍّ ، لكنهم وصلوا إلى حالٍ أنهم أنشأوا جمعياتٍ خيريةَ ، وقاموا بتوزيع سلّات المساعدات ، كما أن المحاضرات التي نظّموها والفعّاليات التي يقيمونها قد أفرغوها من مضمونها ، وحوّلوها إلى فعّالياتٍ ثقافية . والبلادُ التي لا يحكمها الإسلامُ وتُزيَّنُ فيها الشوارعُ و الحدائقُ ، وتُبنى فيها السدودُ ، ويُتركُ فيها طريقُ الحركةِ الربانيةِ . وذلك ليحصلوا على تقديرٍ أكبرٍ من قِبل المجتمعِ ، أو لكي لا يكونوا في مواجهةٍ مع الأعداء ، يهربون إلى الأعمالِ السهلةِ ، ويخدعون أنفسَهم بالقيامِ بهذهِ الأعمال ! مع أن اللهَ عزَّ وجلَّ قد تحدَّثَ في كتابِه الكريمِ عن الشروطِ التي تُغيِّرُ المجتمعَ حقاً : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(1) ، وهذا يعني أن تغييرَ المجتمعَ لا يكونُ عندَ توزيعِ سلّاتِ المعونةِ ، أو عند القيام بفعّاليات ثقافيةِ ، أو عندَ جعلِ بلادِكم غنية ، ولا عند تحسينِ طرقاتِكم وحدائقِكم ، وإنما عندَ تغييرِ النفوسِ والأخلاق بالتعليمِ الإسلاميِّ النظريِّ والعمليِّ ، عندها سيغيّرُ اللهُ حالَكم ، وسيذهبُ الكفرُ وسيكونُ الحقُ حاكماً . تغييرُ النفوسِ لا يكونُ بالطُرقِ المُصطنعةِ ، إنما يكون بالتعليم الحقيقي . إنّ الذين يُنشئون نظاماً تعليمياً سلبياً ذا جانبٍ واحدٍ ، بعيداً عن واقع الحياة ، لا يمكنهم أن يُربُّوا النفسَ الإنسانيةَ ، إنما يَخدعون أنفسَهم فقط ، التعليمُ الحقيقيُّ هو تعليمٌ إيجابيٌّ متعددُ الجوانبِ ، تعليمٌ يَدخلُ في صميمِ الحياةِ الواقعيةِ . ولهذا فالذين يذهبون إلى الطُرق الدينية قطعوا أشواطاً صغيرةً في مجالِ تربيةِ النفسِ . الحركاتُ الدينيةُ متعددةُ الجوانبِ التي تُعطي أهميةً لذكرِ اللهِ تعالى وللتقوى ، يكونُ العملُ فيها إيجابياً ، إذا كان التعليم فيها نظرياً وعملياً . إذا كان المرءُ عاملاً ضمنَ الجماعةِ ، فسيقطعُ مسافةً كبيرةً في وقت قصيرٍ ، وسيختصرُ الطريقَ الطويلَ .

الجيلُ المنتظرُ يعملُ داخلَ الحركةِ في مجالِ المساعداتِ الإنسانيةِ ، وفي الفعّالياتِ السياسيةِ و الثقافيةِ ، ومع ذلك فرايتهم دائماً فيها التوحيد ، لأنّ الأنبياءَ إنّما ظهروا ليكونوا حركةً إسلاميةً ، لا ليكونوا حركةً إنسانيةً ، أو حركةً أخلاقيةً ، أو حركةً وطنيةً ، نصرُ اللهِ يأتي عند تمايزِ الصفوفِ وإظهارِ اسمِ الله تعالى . شياطينُ الإنسِ والجنِ يعملون على جَعْلِ الحركاتِ الأُخرى أكثرَ مُلاءَمةً من الحركةِ الإسلاميةِ ، ليحرموهم من نصرِ اللهِ و معونتِهِ ومن النضال في سبيل التوحيد ( قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ )(2) عند قولِ هذا فالجميعُ سيقولُ حتماً : « الله « . وعندما يُقال : « كلُّ شيءٍ ملكٌ للهِ « أفلا يجبُ أن يُنفَّذَ ما يأمرُ به ؟ وقتها جميعُ الناسِ أو على الأقل جميعُ المسلمين سيُجيبون قطعاً : « ما يريدُه اللهُ هو ما يجبُ أنْ يُنفَّذَ « . لأن التوحيدَ لا يسمحُ للشركِ بأن تصلَ قدماه إلى الأرضِ ، إنه يقضي عليه بالضربةِ القاضيةِ .

وظيفتنا ليست أن نُظهرَ أنفسَنا على أننا منهم ، ثم نحفر من تحت أهلِ الباطلِ الأقوياءِ ، وظيفتنا أن نبيِّنَ لهم التوحيدَ ، وأن نجعلَ ما يقولون مقابل ما يقوله الله .

لم تكن وظيفةُ نبينا محمد صلى الله عليه و سلم التبليغَ فقط ، بل كانت مهمتُه إنشاءَ حركةٍ إسلاميةٍ ليظهرَ جماعة قوية ، وإنشاءَ حضارةٍ إسلامية . سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلِّغُ غيرَ المسلمين ، أما المسلمون فإنه يعلّمُهم ثم يُعطيهم وظيفةً ، يعني أولاً تبليغ ، ثم تعليم ، ثم تكوين جماعة ، ولهذا فوظيفة الجيل المنتظر ليست التبليغَ فحسب ، إنما تَكْويْنُ الحركات . ليس كفردٍ إنما العمل كجماعة ، ويجب ألّا تكونَ حركةً نظريةً فكريةً فقط ، لكن يجب أن تكون حركةً عمليةً أيضاً ، لأن الفكرَ وحدَهُ والفردَ وحدَهُ لا يمكنهما أن يكونا رقىيبين على المجتمع . الحركات الفكرية وكذلك الحركات الفردية لا تُعَدُّ شيئاً في وقت الجدال مع القوى الجاهلية ، لأن الجاهلية ليست حالةً فكريةً فقط ، ولا حالة فرديةً فقط ، الجاهليةُ في حالةٍ من الاجتماع والفعالية ، وعلى هذا فالمسلمون أيضاً مجبرون على أن يصلوا إلى حالةٍ من الفعلِ ، لأن النظرياتِ وحدها والأفرادَ المتباعدين عن بعضهم لا يُكسبون الإسلامَ وجوداً فعلياً ، إذا استطاع الفكرُ أن يغلبَ الفكرَ ، فإنه لن يستطيعَ أن يغلبَ قوةَ الفعلِ ، ولهذا فسيدنا عيسى عليه السلام قال : ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ )(3) بحث عن أشخاصٍ يساعدونه في الطريق إلى الله ، وبحث عن جماعةٍ ، وعمل على إظهار جماعة .

هذا بالإضافة إلى أن « المجموعة « قادرةٌ على جعلِ الفرد يفعلُ ما يناسبُها . المسلمون الذين يبقون في حالةٍ فرديةٍ سيضطرون إلى أن يكونوا تابعين للأنظمة الجاهلية ، أو المجتمعات الجاهلية ، وهكذا فالمسلمون لا يستطيعون البقاء في حالِ كانوا أفراداً ، المسلمون مجبرون على أن يَظهَروا بشكل مجموعةٍ ، يعني « جماعة « حية مرتبطة ببعضها البعض ، القرآنُ والسنةُ فيهما الكثيرُ من الأدلةِ على الأمرِ بالجماعةِ ، والإسلامُ دينُ الجماعةِ ، الذين يهربون من الجماعةِ إنما يتهرَّبون من الطاعةِ والنظام ، لماذا يُطيعون المُدراءَ ورؤساءَ العملِ في أمورِ الحياةِ الدنيويةِ ، لأنهم يحصلون على رواتب من هؤلاء ، الذين لا يطيعون ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ وابتغاءَ الجنةِ إنما يطيعون للمال ، هولاء مضطرون أن يسألوا أنفسهم : هل إيمانُهم إيمانٌ حقيقي ؟ .

بالإضافة إلى أن مسألة « تكوين الأُمّة « ، وإنشاءَ حضارةٍ إسلاميةٍ وغيرَ ذلك ، إن كان لهم أهدافٌ كبيرةٌ فسيفهمون أنهم لا يستطيعون عملَها بمفردِهم ، وسيرون أنه من المفروض عليهم أن يكونوا في جماعة ، لأن كل ما يساعد على تحقيق الفرض يُعدُّ فرضاً أيضاً ، يعني أن إنشاءَ حضارةِ الإسلام يُعد فرضاً ، ولكي يتحققَ هذا الفرضُ يرتبطُ ذلك بوجودِ الجماعةِ ، وهذا يعني أن الوجودَ ضمنَ جماعةٍ فرضٌ أيضاً .

أعتقد بأن على المسلمين أن يعلموا أنّ الشيء الذي يريدون بناءَهُ هو عبارةٌ عن « قصرٍ عملاق « ، هذا القصرُ توجدُ بداخلِه مدرستُه و مستشفاه وكتاتيبُه ومسؤولوه ومحافظوه وعسكريوه وشرطته ، وكل مستلزمات الحياة ، كل ذلك يجب أن يكون موجوداً في القصر . قصرٌ بهذا الحجمِ وبهذا القدرِ من الخصوصيةِ لا يُبدأُ بإنشائِه بشاحنةٍ أو اثنتين من القرميد ، ولا شاحنة أو اثنتين من الحصى ، هكذا قصر يجبُ نقلِ موادِ بنائِه لعدةِ أشهرٍ ، و ينبغي تجهيزُ كلِّ ما يلزمُ ، وتعيينُ المهندسين وأصحابَ الحرفِ والعمال . لكي تعملَ هذه الطواقمُ يجبُ تأمينُ مكانِ الإقامةِ والطعامِ ، وقبل ذلك يجبُ تحضيرُ مخططٍ لمشروعِ البناءِ من قِبل أشخاصٍ مؤهلين تأهيلاً عالياً . العقلُ يأمرُ أن تُحضَّرَ كلُّ هذه التحضيرات لبناء « قصر الإسلام « ، إن لم تُصْغِ لأمرِ العقلِ ، وإن أحضرتْ لبناء « قصر الإسلام العملاق « شاحنةً أو اثنتين من موادِ البناء ، وبدأتْ بالبناءِ فستُضحِكُ الأعداءَ ، وستُبكِي الداعمين والأصدقاءَ ، وستذهبُ تلك الموادُ هباءً .

عندما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه و سلم أن يتركَ هذه الدعوةَ أجابَهم بقوله : ( أدعوهم أنْ يتكلموا بكلمةٍ تُدين لهم بها العربُ ، ويملكون بها العجمَ )(4) .
وعلى هذا : إذا ما قام الجيلُ المنتظرُ في كلِّ دولةٍ بوظيفتِه المنوطةِ به ، فإنّ الأمةَ سيلتئمُ شملُها من جديد ( وقل جاء الحقُّ وزهقَ الباطلُ إنَ الباطلَ كان زهوقاً )(5) ، وسيحكم المسلمون على الأرض . إنّ الذين يفتدون الآخرة بالدنيا ، لا يعطيهم اللهُ تعالى الآخرةَ فقط ، بل يعطيهم اللهُ الدنيا أيضاً ، كما قلت من قبل . لكل جيل وظيفة ، ووظيفة هذا الجيل تُشْبِهُ وظيفةَ جيلِ الصحابة ، وظيفتُنا تَحَمُّلُ الصعابِ في زمن الغرباء ، جيلٌ يُحيي الحقَّ و يُمسكُ بمقودِ الأمة من جديد ، ليقودَها في عالمِ الإنسانِ . الغايةُ من إرسال الدين هي : حماية الدين والعقل والنفس والعرض والمال .

لكي يصلَ الفاهمون إلى هذا المقصدِ العلوي المقدّسِ عليهم أن يتحملوا كلَّ الصعاب كالبذرةِ في البرد في الظلام في الطين ، تصمد ، لتعطيَ في النهايةِ بُرْعُماً ، ثم يعتنون بهذا البرعم ، وسيعطي ثماراً ، وقتها لن تكونَ البذرةُ موجودةً ، لكنها ستتركُ من ورائِها شجرةً ، والأصحُ أن البذرةَ في ذلك الوقتِ فقط تكونُ لقد أصبحتْ موجودةً ، إنّ الذين لا يتحمّلون الصعابَ عندما تكون البذرةُ غيرَ موجودةٍ ، لن يكونوا موجودين عندما تصبحُ شجرةً موجودةً ، الذين لا يرتقون من مرتبةِ اللاشيء لن يتخلصوا من الأنانية ، والذين لا يتخلَّصون من الأنانية لا يُعطون ثماراً .

كما قال ابن عطاء : ( ادفن جسدك في تراب اللاوجود ) ، من لم يدفنْ جسدَه في ترابِ اللاوجود فلن يتحولَ إلى فاكهةٍ ناضجةٍ ، على الجيلِ المنتظر أن ينسى أمرَ نفسِه ، عندما يَخدمُ في طريقِ الدعوةِ سيكون « لا موجود « لكنه سيتركُ وراءه الملايين .
متمنياً أن أُكملَ موضوعي في العدد القادم .. استودعكم الله .

 

مصدر


(1) – [ سورة الرعد ، الآية : 11 ] .
(2) – [ سورة البقرة ، الآية : 140 ] .
(3) – [ سورة آل عمران ، الآية : 52 ] .
(4) – [ تفسير ابن كثير عند الآية الأولى من سورة ص ] .
(5) – [ سورة الإسراء ، الآية : 81 ] .

Daha Fazla
Yazardan Daha Fazla: Furkan Nesli
Kategoriden Daha Fazla: Anasayfa

Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir

Göz atmak ister misiniz?

الأدلةُ على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ ( الجزء الخمس ) | Sayı 90

الحمدُ للهِ المرسلِ كتابه المليء بالمعجزاتِ الذي يخاطبُ جميعَ الأممِ في مُختلفِ الأزمانِ، …